السبت، نوفمبر ١٨، ٢٠٠٦

مفاوضات أسمرا المرتقبة بشأن قضية دارفور هل ستكون القشة التي تقصم ظهر القضية ؟؟

مفاوضات أسمرا المرتقبة بشأن قضية دارفور
هل ستكون القشة التي تقصِم ظهر القضية ؟؟

· لا شك أنَّ قضية دارفور أوجدت لنفسها حيزاً واسعاً في الإعلام ، وباتت ضمن أهم الأجندة التي تُطرح للتداول والمناقشة في أروقة المؤتمرات ودهاليز الملتقيات الدولية والإقليمية ، وهذه الوضعية التي أفضت إليها قضية دارفور ، جعلت دول المحيط والجوار الإفريقي تبحث لها عن موطئ قدم ، سواءً بإيواء حملة السلاح أو بالتقرُّب زلفةً نحو الحكومة السودانية عسى ولعلَّ ذلك يقدم مصالحها .
· وأرتريا كغيرها من دول الجوار التي تأثرت وستتأثر بما يدور في السودان من أحداث سلباً وإيجاباً وبدرجاتٍ متفاوتة من حينٍ لآخر ، وحُظيت إرتريا دون غيرها من الدول إبان إندلاع التمرُّد في دارفور وإنطلاقة الثورة ، فكانت هي الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه كلَّ من فكَّر في الخروج من السودان متوجهاً نحو الثورة أو قاصداً المعارضة من الخارج ، وتمتنت العلاقات ما بين إرتريا وحركات دارفور كثيراً لما تتمتع به إرتريا من علاقات دولية واصلة لتعتبر بوابة للعالم الخارجي ، وقُبيل ثورة دارفور كانت إرتريا على تواصل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ، مِمَّا مهد الطريق لحركات دارفور ، وظلَّ الحال كذلك ، فدرجت إرتريا على تقديم المساعدات لحركات دارفور وأسهمت إسهاماً وفيراً في توفير فُرص التدريب والتأهيل لأفراد الحركات المسلحة ومضت قُدُماً في هذا الإطار ، إلا أنه في الفترات الأخيرة إنقلب موقف إرتريا رأساً على عُقب !! فكانت إرتريا في السابق على النقيض تماماً مع الحكومة السودانية وإنقطعت الصلات بين الجانبين لسنوات عِجافٍ خلت ، وكانت أيُ من الدولتين تأوي معارضة رصيفتها الأخرى وتُقدِّم لها الدعم المالي واللوجستي والمادي بُغية زعزعة إستقرار الأخرى ، أما الآن فإنقلبت الموازين وطفحت لسطح العلاقات تطورات جديدة وجرت مياهٌ كثيرة تحت جسر العلاقات بين البلدين ، ودون سابق إنذارٍ تفاجأ الجميع وبما فيهم الأمم المتحدة وشعبي البلدين بالتقارُب بين حكومتي البلدين ، هذا التقارُب الذي توثَّق أكثر إثر الزيارات بين الجانبين التي إبتدى خطواتها الرئيس الإرتري أسياسي أفورقي بزيارته للخرطوم ثم بادله نائب الرئيس السوداني وفي رفقته كبار مسؤليه وزير الداخلية ومدير المخابرات ، وتوطدت العلاقات بين الطرفين على أنقاض ذلك .
· وفي نسق هذا التقارب السريع ، أُلقيت ظلالٍ كثيرة على حركات دارفور أولاً وقضية دارفور ثانيةً ، حتى وصل الأمر بالسلطات الإرترية أن تقوم بإجراء مداهمات للمجمعات السكنية الخاصة بمنتمي حركات دارفور وإلقاء القبض عليهم وإلقائهم رهن المعتقلات والسجون أو قيد الإقامة الجبرية كما حدث مؤخراً مع السيِّد عبدالواحد محمد نور رئيس حركة / جيش تحرير السودان حسب ما نما إلى علمي .
· هذه التطورات والعمليات العكسية التي قامت ولا تزال تقوم بها إرتريا تجلت عظمتها من خلال تبنيها لرعاية المفاوضات بين جبهة شرق السودان والحكومة السودانية ، تلك المفاوضات التي أفضت إلى إتفاقية سلام الشرق التي ظُلِم فيها أهل الشرق ظلم الحسن والحسين ، فإرتريا باعت قضية شرق السودان للحكومة السودانية مقابل أجر زهيد وهو تسليمها المعارضين الإرتريين المقيمين في الخرطوم من ذوي الخلفيات الإسلامية ، ومارست إرتريا ضغوطاتٍ مستمية على قادة جبهة الشرق حتى أوقعتهم في مصيدتها التي أعدتها لهم ليوقعوا ويبصموا على إتفاقية لا تضمن لأهل الشرق حقوقهم في السلطة والثروة والتركيبة العسكرية القومية ناهيك عن الموارد المحلية والتنمية والخدمات والتعليم والصحة والمياه والكهرباء .
· والآن بحسب ما تنامى إلى مسامعنا يجئ دور بيع قضية دارفور وأهلها من قِبل أرتريا للحكومة السودانية ، ووفق ما تناقلته وسائط الإعلام ووسائل الأنباء أنَّ أرتريا تبنت رعاية مفاوضات بين الحكومة السودانية وحركات دارفور غير الموقعة على إتفاقية سلام دارفور ، وعلى الفور تماماً أبدت الحكومة السودانية موافقتها دون قيدٍ أو شرط ، ليتأكد للجميع أنَّ في الأمر شيءٍ من إنَّ ، فأنى لأسمرا أن تُعلن تبنيها لرعاية مفاوضات مرتقبة وفي ذات الأثناء تقوم بتكثيف الضغوطات على أبناء دارفور المقيمين فيها وتمارس عليهم أقصى درجات الإرهاب والضغط ؟؟ وأنى لإتفاقية تتأتى على أنقاض هذه الضغوط وتصلُح لأن تكون حلاً يُجمع حوله أهل دارفور ؟؟ وأنى تكون أسمرا وسيط في التفاوُض بين الطرفين وهي بفعلها تُؤَكِد ميلها لأحد الأطراف ومن المُفترض أن يُفترض في الوسيط " الحِياد " ؟ وأنى لأسمرا أن ترعى مفاوضات وهي تُبيع أحد الأطراف للطرف الآخر كما يحدُث الآن مع أبناء دارفور المقيمين فيها الذين يُعانون من شظف المعيشة وكآبة الحال وضيق الحياة ؟؟ فكيف لبقية أبناء دارفور في الحركات المسلحة أن يوافقوا على التفاوُض في أسمرا وهم يرُون بأم أعينهم إخوتهم يُعذَّبُون ويُهانُون أيُّما إهانة من قِبل السلطات الإرترية ؟؟
· فالتفاوُض حول قضية دارفور امرٌ لابد منه ، وهذا لا يختلف فيه أو حوله إثنان ، ولكن !! يجب أن يقُوم التفاوض على مرتكزات وضوابط ومعايير وأُسُس ، من ضمن هذه الأشياء الضمانات الشخصية والجماعية والرعاية الإقليمية والإشراف الدولي من الإتحاد الإفريقي والأمم المتحدة ، وإلا دون ذلك إذا وافقت الحركات على إلتئام المفاوضات فإنها تتحمل وِزر تضييع حقوق أهل دارفور للمرة الثانية ، فالمثل يقول : أنه من رابعة المستحيلات أن يرى راعي الغنم ذئباً ومن ثمَّ يقوم بتسليم غنمه إلى الذئب ، وهذا ما نراه سيكون عليه حال قضية دارفور إذا وافقت الحركات على مفاوضات أسمرا دون قيدٍ أو شرطٍ ، فأسمرا هي القشة التي قصمت ظهر قضية شرق السودان ، ونخشى أن تكون ذات القشة التي يُراد لها أن تكون قاصمة ظهر قضية دارفور !! .
· فعلى الحركات المسلحة أن تعي أنَّ أسمرا ما عادت كما نُخالها قديماً ولا عادت دولة صديقة ، بل أصبحت من ألدَّ الأعداء لقضايا المهمشين السودانيين وقضايا الهامش ، تُريد أسمرا بكلِّ ما أُؤتِيَت من قوة أن تتقرب نحو الحكومة السودانية لذلك ترغب في إعادة صياغ قضية دارفور وكل القضايا السودانية بما يتوافق مع كيف الحكومة السودانية بُغية أن تحقق أسمرا شيئاً في نفسها عبر إستمالة عاطفة الحكومة السودانية بمساعدتها في إنهاء ملفات القضايا الملتهبة والسخنة ، وفي ذلك لا يهم أسمرا أن شعبنا حقه أو دون ذلك !!


ونواصل في المقال القادم