الثلاثاء، فبراير 06، 2007

إستقراء حول المنطلقات الفكرية لحركة العدل والمساواة السودانية (2) الإتزان الفكري

إستقراء حول المنطلقات الفكرية لحركة العدل والمساواة السودانية ؛ الإتزان الفكري
الأفكار والآراء فضاءات ولايمكنها التطوُّر إن سُجنت بهياكل حزبية أو تنظيمية تدعي ملكيتها وتفسيراتها وتوجهاتها، لأن الفكر سلسلة من أنماط التفكير للأجيال السابقة له هدف محدد. ولايصح التسليم بنتائجه بشكل نهائي فما تم البناء عليه من عوامل، هي عوامل متغيرة تبعاً للزمان والمكان ومن المفترض القبول بصدقه الزمني والمكاني وعدم قبول صدقه مع واقع زمني ومكاني مختلف.إن الادعاء بأزلية وديمومة وصلاحية الفكر لكل الأزمان والأمكنة ادعاء باطل ومخالف للمنطق العلمي، فالاستقلال الفكري يمنح الفرد القدرة على مناقشة أسسه لقياس صدقه مع الواقع ورفضه عند تعارضه مع الواقع تحاشياً عما يسفر عنه من نتائج سلبية تضر بالواقع المعاصر.وهذا الاستقلال الفكري يحقق لمعتنقه التوازن النفسي عند تعامله مع الواقع وعدم انصياعه لرؤى وأفكار مخالفة تضعه في دائرة الشك والفشل على المستوى الشخصي!.ونحن في حركة العدل والمساواة السودانية نعتقد أنَّ التكوين الفكري الصحيح للفرد، هو عامل أساسي في الاتزان النفسي ليتوافق مع نشاطه المهني وميوله ومواهبه المراد توظيفها لخدمة الإنسان".إن التوازن الفكري هو الإيمان الراسخ بصدق الرؤى والأفكار مع الواقع لتحقيق المهام الهادفة لتطور وتقدم المجتمع، واختلاف الرؤى والأفكار هو آلية حضارية لمناقشة مدى صدقها أو تعارضها مع الواقع لإيجاد السُبل الصحيحة لتحقيق التوازن بين الرؤى والأفكار المتقاطعة قدر الامكان للتقليل من فسح الفشل المتوقعة. فبدون تحديد ماهية المفاهيم والمدلولات والمصطلحات لايمكن إخضاع الفكر للمناقشة، ولايجوز إطلاق العنان للتفسيرات غير المنطقية (الشخصية) للرؤى والأفكار بما يحقق رغبات ومصالح القائمين عليها وتضر بمصالح المجتمع.إن التعصب الأعمى لفكر ما دون النظر لنقيضه من الأفكار يدلل على جهل المدعي به، لأن الفكر يناقش الشيء ونقيضه للتوصل إلى رؤية جديدة متعارضة أو متفقة بعض الشيء مع ما سبقها من أفكار ورؤى وليس بالضرورة أن يكون الاستنتاج صحيحاً كلياً لأن للحقيقة أوجه متعددة فكل وجه منها وجه صحيح ولاتوجد حقيقة كاملة لكن توجد أفكار متوازنة تعبر عن أوجه متعددة للحقيقة ذاتها.وبحسب وجهة نظري الشخصية فإنَّ الاستقلال الفكري هو:"بأنه الإقرار والاعتراف بأن تفكيرك كان بذرة في ثمرة غيرك".فبالرغم من أن التوازن الفكري لشخص ما يمنحه القدرة على التعاطي مع جميع المتغيرات على صعيد الواقع، وبالتالي الإمكانية للتعامل مع جميع الرؤى والأفكار المخالفة لتحقيق الهدف المنشود. لا يجوز التسليم كلياً بصحة الاستنتاجات لتحقيق الهدف دون النظر بعين فاحصة لكافة المدلولات والمفاهيم الجديدة، وتوافقها مع الواقع لتقليل الخسارات قدر الامكان. لأنها ليست خسارات لأشخاص محددين، بقدر ما هي خسارات يتحمل نتائجها مجتمع بكامله عند تعميم الأفكار والرؤى التي لم يثبت صدقها مع الواقع كلياً.وما يجب أن نقوله هو : علينا أن نسعى لإيجاد نوع من التوازن الفكري من خلال إعطاء كل كلمة وزنها الصحيح، ونشعر بالتواضع أمام عبارات المديح عند صدقها مع الواقع".كما يعني الاستقلال الفكري اتخاذ المواقف الصحيحة والمتوازنة من القضايا الاجتماعية لخلق حالة من الوئام والتوافق بين فئات المجتمع، وتوظيف كافة الطاقات العلمية والثقافية والفنية لتطوره وتقدمه. وبخلافه فإنه انحياز أعمى لفئة اجتماعية ضد فئات اجتماعية أخرى، يسفر عن حالة صراع بينها ويضعف أواصر العلاقة الإنسانية بين أفراد المجتمع ويؤسس للفرقة والتشتت ويعيق سُبل التقدم الاجتماعي.

إستقراء حول المنطلقات الفكرية لحركة العدل والمساواة السودانية (1) الإستقلال الفكري

إستقراء حول المنطلقات الفكرية لحركة العدل والمساواة السودانية ؛ الإستقلال الفكري


إن ديمومة الصراع بين القديم والحديث هو في حقيقته صراع بين جبهتين، جبهة تقليدية محافظة غير قابلة للتطوُّر والتحديث، وجبهة متحررة ومواكبة للنهضة العلمية وتطوُّر الحياة. وعملياً لايمكن إيجاد تسوية بين الجبهتين، لأن الصراع بحد ذاتهم تعلق بقيم ومبادئ متناقضة إلى حد بعيد، قيم محافظة ترفض التحديث والتطور وقيم متحررة وترفض الجمود والتقوقع.ولا تدعو حركتنا هذه حركة العدل والمساواة السودانية( جبهة التحرُّر والعصرنة ) إلى إلغاء الماضي والبدء بمرحلة جديدة، وأنما تحرير الماضي من القيود والتواصل مع الحاضر عبر ثورة نقدية تضيف للماضي بعداً جديداً في أفق الحاضر خاصة في الشأن الفكري، فمتى تحررت الأفكار من قيودها أدت لتحرر المجتمع. وهذا ما يرفضه التقليديون والحرس القديم من غلاة السودان القديم، لأن تلك القيود بالنسبة لهم عبارة عن سلاسل تكبل فئات المجتمع وتجعل منه قطعان من الخراف يقودها الحرس القديم.ويرى بعض المفكرون، ما يسميه التقليديون آفاقاً، نسميه قيوداً، ما يدعونه حقيقة ندعوه خطأ. ما يرونه مثالاً، نراه انهياراً وتخلفاً. يبشرون بمجتمع القطيع، بمجتمع النسخ. يبشرون بالإنسان المحدد، المصنوع، المتشابه، الحيوان، الإنسان الذي يُرعى ويهياً، ويُربى، ويدجن ويوضع طوق في عنقه. إن عالمنا ليبدو من خلال المفاهيم التقليدية عالم زرائب ومستشفيات ومصحات".مازال مجتمعنا، مجتمع وثني يعبد الأصنام وما الديانات السماوية إلا واجهات يختفي ورائها الوثنيون. ففي كل نظام شمولي هناك صنم يتم عبادته، وفي كل حزب سياسي صنم يسجد له، وفي كل كنيسة وجامع هناك صنم يبجل ويطاع.ولكل تلك الأصنام، مجموعات من الجهلة والأميين والانتهازيون، تقدم القرابين وتحج في اليوم ألف مرة في بيت السلطان وتصلي بمثلها بمحرابه خاشعة وخانعة!.الثورة يجب أن تنطلق ضد منظومة العبادة للأصنام، لا ضد الأصنام ذاتها. لأن قدسيتها تأتي من منظومتها المسيطرة على عقول البشر. إذاً يتوجب أن نتوجه بالنقد ضد المبدأ لا الأسلوب، ضد السبب لا النتيجة، ضد العقلية لا الممارسة.ويعتقد البعض الآخر من المفكرون أن النقد الثوري هو النقد الصحيح، لا الفاسد، نقد المبدأ لا التطبيق، نقد النظرة ذاتها".الثورة يجب أن تأتي بجديد، يعيد البناء، جديد يقدم الحلول للمشاكل الاجتماعية، بديل يكشف زيف الأسس والمفاهيم المعيقة لمسيرة التطور والتحديث.إن تؤسس لحضارة جديدة، يعني أن تأتي ببديل ثوري يهدم المفاهيم والقيم الموروثة البالية. ويعمل على تأسيس، منظمومة من مفاهيم وقيم جديدة تسهم في تقدم المجتمع. وتلك المفاهيم والقيم الجديدة، ليس بالضرورة أن تكون مقنعة ومقبولة لدى جميع أفراد المجتمع.فالحديث والجديد لايجد قبولاً وطريقاً سالكاً له لدى فئات عديدة من المجتمع المتخلف لكنه مع الزمن يكسب إلى جانبه قطاعات أوسع من المجتمع بعد أن يتيقن الناس من حقيقة تحقيق مصالحهم الآنية وفقاً للآلية الجديدة، وحينئذ سيتخلى الوثنيون من تلقاء أنفسهم عن مفاهيمهم الضالة.وبرأيي الثورة على الماضي الحضاري في حاجة إلى أن يكون لديك بديل لها من حضارة جديدة، تريد أن تبنيها. والثورة بدون بديل هي هدم بدون بناء، ولايمكن أن تكون ثورة ناجحة لأنها تفتقد لوسائل الإقناع وتفتقد لروادها وحوارييها والقائمين عليها. فلكي تحقق الثورة على الماضي الحضاري بحاجة إلى بناء واقع حضاري متميز (ذاتي) وإلا فلن نصنع ثورة لأنها ستكون حينئذ غير هادفة".ولا يجب أن تترك الثورة ذاتها دون نقد متواصل لأخطائها وعثراتها، لأن تجددها ومواكبتها للحديث يحتاج إلى قوة نقدية من نخبتها المثقفة. وهذا الأمر لايتحقق سوى بوجود مساحة من الحرية، يمكن من خلالها للنخب أن تنتقد وتطرح الأسئلة وتبحث في سُبل التقدم نحو المستقبل.وأعتقد أن الثورة لاتتجدد إلا بقوة نقدية خلاقة، تمنحها بعداً جديداً أو تدخل إليها دفعة جديدة، فهي لاتتجدد إلا بالإبداع والحرية والتساؤل والبحث والتخطي".إن الثورة الحقيقية، هي عملية تحديث وعصرنة مستمرة لكافة مرافق المجتمع. ومحاولة الثورة التغلب على العقبات التي تجابها، تعد بمثابة اختبار لمدى صًّدقية نهجها في التجديد والعصرنة. لن تعترف القوى المضادة للثورة بهزيمتها الفكرية، وتنتهز الفرص للنيل من الثورة والترصد لأخطائها وإخفاقاتها.ومن وجهة نظري يجب على الثورة أن تمتحن نفسها لكي تتعلم كيف تسير؟".وبما أن الثورة منظمومة قيم جديدة، تؤمن بالتحديث والعصرنة للمجتمع فأنها تحتاج بشكل مستمر إلى جيل جديد، يعمل على تفجير براكين عصرية جديدة داخلها لكي تتطور وإلا فأنها ستبقى أسيرة نهجها القديم. إن الكفاح ضد منظومة المفاهيم التقليدية، لاينتهي بانتصار الثورة عليها بل بالاحتفاظ بهذا الانتصار وتطوير سُبل الثورة واستمرارها من خلال ضخ دماء جديدة في شراينها. ومهمة الثورة الإعداد لجيل جديد يستلم المهام والمسؤوليات نحو المستقبل، لا أن يعمل الثوار الجدد على خلق أصنام جديدة ويدعون لعبادتها بدلاً عن الأصنام القديمة. إن المهمة الحقة تهديم منظمومة القيم للمجتمع الوثني وتحطيم الأصنام وإدانة أي فرد أو مجموعة تروج للمجتمع الوثني ومفاهيمه خاصة تلك الوثنيات التي تستر عريها بعباءة الديمقراطية في العلن وتمارس عريها ووثنيتها وعبادتها للأصنام في الخفاء!.