السبت، فبراير ١٨، ٢٠٠٦

الوفد المفاوض للحكومة في أبوجا واللا إرادة واللا تفويض


الوفد المفاوض للحكومة في أبوجا واللا إرادة واللا تفويض


لا شك أن أبوجا لا تزال تراوح مكانها بسبب تعنت وفد الحكومة المفاوض في أبوج وتهربه من دفع إستحقاقات التسوية السياسية السلمية لأزمة إقليم دارفور المستفحلة آنياً ، ولعل هذا التهرب الذي هو ديدن وفد الحكومة له ما بعده من تكهنات ولنا أن نتساءل - هل يملك المؤتمر الوطني وحكومته الإرادة السياسية الحقيقية للتوصل إلى إتفاق من شأنه يفضي إلى تدارك الأوضاع الملتهبة في إقليم دارفور ؟ وهل فوضت الحكومة وفدها المفاوض في أبوجا تفويضاً مطلقاً وكاملاً لإنجاز التسوية السياسية من خلال التفاوض مع ( الثوار ) ؟
وتعتبر هذه الأسئلة مشروعة والإجابة عليها في غاية من ذلك لطالما ظللنا نراقب ونتابع عن كثب وعن قرب سير المفاوضات في أبوجا ومجرياتها التي تمر سراعاً ، فضلاً عن إهتماماتنا لما تؤول إليه المفاوضات جراء وعقب المماحكات والمراوغات والمماطلات والتسويفات التي ظلت تلازم وفد الحكومة المفاوض في أبوجا
وتكمن الإجابة على تلك الأسئلة في التمعن والتبصر والتفحص في الأزمات التي لم تبرح وفد الحكومة لحظة واحدة ، وهي أزمة الإرادة وأزمة التفويض - فالإرادة الحقيقية للتوصل لإتفاق بغية تحقيق السلام ، هي تقديم التنازلات أو بالأحرى دفع الإستحقاقات الملازمة لتحقيق الإتفاق ، وهذه الإستحاقات بالضرورة ينظر إليها من خلال البعد التأريخي للأزمة المراد تداركها ، فهل معنت الحكومة النظر صوب المظالم التأريخية لإنسان دارفور ؟ والإرادة هي إخلاص النوايا والعزيمة على تحقيق الهدف الذي من أجله بنيت المفاوضات ، فهل وفد الحكومة المفاوض في أبوجا عازم على التوصل إلى إتفاق بأسرع ما تعجل ؟ كما ولعل الإرادة هي الإرادة الحقيقية وليست المزيفة أو المدعاة أو التمظهر بعكس ما يبطن ، فهل ذهاب الوفد الحكومي إلى أبوجا هو للوصول إلى إتفاق ؟ أم ليس أنه سوى تمارين في العلاقات العامة ؟
أما التفويض فهو إتاحة قدر عالي من الثقة في إتخاذ المواقف التي تقتضيها الضرورة دونما الرجوع إلى مفوضيهم في كل خطوة إثر خطوة ، فهل الوفد المفاوض للحكومة في أبوجا يمتلك مثل هذا التفويض لإختراق الجمود والركود وإحراز التقدم نحو الوصول إلى إتفاق يفضي إلى سلام ومن ثم بدوره إلى تدارك أوضاع النازحين ؟ وهل وفد الحكومة المفاوض في أبوجا هو من ضمن أصحاب القرار في الحكومة بإتخاذ أية خطوات وأية مواقف بغض النظر عن الرجوع إلى المؤسسات الحكومية لتضييع الوقت هباءًا منثوراً ؟ والتفويض هو إمكانية التوصل إلى أية صيغة توافقية بغية تحقيق الهدف دونما معايرة أدنى ثمة إهتمام لمرتكزات أو برامج الحزب أو المصالح الشخصية أو المنافع الذاتية ، فهل وفد الحكومة المفاوض في أبوجا يستطيع أن يبلور هذا التفويض من خلال عمل ملموس بأبوجا تنبثق منه إتفاقية تفضي بدورها إلى سلام ؟ وهل يحمل وفد الحكومة المفاوض في أبوجا التفويض الكامل والتام غير المنقوص واللا مشروط لتحقيق الإتفاق ؟ أم أنه لا يحمل سوى التحدث إلى وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة والإدعاء بالكذب والمزايدات السياسية ؟ وهل محاولة إستمالة العاطفة ودغدغة المشاعر عبر الذين تمت إعادة إنتاجهم لصالح الحكومة من قبل الوفد المفاوض للحكومة وإستصحابهم في أبوجا كمسهلين ستؤتى أوكلها بغية التهرب من دفع ضريبة إنجاز مرحلة اللام ؟
من هنا يتضح بجلاء للقاصي والداني ولأيما متابع دقيق أو قارئ حصيف أن الحكومة ليس في أجندتها الآن تحقيق السلام في إقليم دارفور ، وليست مستعدة لتقديم التنازلات أو على الأجدى دفع الإستحقاقات لذلك ، فضلاً أنها - أي الحكومة - لا تملك الإرادة السياسية الحقيقية للتوصل إلى إتفاق ينهي الأزمة سلمياً من خلال منبر تفاوض أبوجا ، وغير ذلك لا يمتلك وفدها المفاوض - أي الحكومة - أي تفويض حقيقي للوصول إلى سلام أو على أقل تقدير أن الحكومة الآن ليست مستعدة مطلقاً لإنهاء مرحلة ( اللا حرب ) و( اللا سلم ) التي ظلت تسود أرجاع إقليم دارفور في الأيام الآخيرة
في الجانب الآخر على العكس تماماً ( الثــوار ) يمتلكون الإرادة الحقيقية والتفويض التام للتوصل إلى إتفاق يحقق السلام الذي يفضي بدوره إلى تحقيق آمال وأشواق وتطلعات المهمشين في أصقاع السودان قاطبة ودارفور خاصة ، وتتجلى هذه الإرادة وهذا التفويض من خلال التنازلات أو على الأرجح التضحيات التي قدموها في أبوجا بغية التوصل إلى إتفاق ، ويجدر بنا هنا أن نذكر بعض منها على وجه المثال لا الحصر التنازل من المطالبة برئاسة دورية بين كافة أقاليم السودان للدولة على قدم المساواة ، والتنازل من المطالبة بإعادة الأقاليم الجغرافية السودانية السبعة بحدودها مثلما كانت عليه حينما بذوغ الإستقلال ، والتنازل من مشاركة كافة الأقاليم السودانية السبعة في مؤسسة رئاسة الجمهورية بواقع نائب للرئيس من أي إقليم ، والتنازل من إعادة النظر في إتفاقية نيفاشا وإمكانية تعديلها ، بل جاءت كل مطالب ( الثوار ) تعضد من نيفاشا وتدعمها وتقوي من عودها
كل هذه التنازلات إن دلت إنما تدل على إخلاص العزيمة و النوايا الصادقة ( للثوار ) والإرادة الحقيقية والتفويض الكامل الذي يتمع به وفدهم المفاوض في أبوجا بغية تحقيق السلام الذي يلبي طموحات الشعب السوداني كافة وشعب دارفور خاصة ، ومع ذلك أعتقد أن المطالب التي تقدم الآن من ( الثــوار ) في أبوجا هي أقل بكثير مما كنا نطمح فيه وننشده ونتطلع لبلوغه مقارنة مع الهوة التأريخية بين المركز والهامش ومناصفة مع ما لم يحظى به لإقليم دارفور طيلة تأريخه التليد ونظراً وتقديراً للتضحيات الجسام التي قدمت من أجل ( الثورة ) في دارفور ووفاءًا للشهداء الذين إرتوت بدماءهم الطاهرة أرض دارفور الأبية فضلاً عن الظلم المستشري تأريخياً وإستئثار المركز
ولعل القارئ الحصيف - أيما قارئ - إذا أجرى إستعراضاً للحوار الدائر مع إستجلاء إمكانية الإستفادة من قدر التنازلات التي قدمت ولا تزال تقدم في أبوجا يوماً إثر يوم ، يتضح له بجلاء دونما ثمة ريب أو شك أو مساورة - أن الوفد المفاوض للحكومة في أبوجا تنقصه الشجاعة في إتخاذ القرار بغية التوصل إلى إتفاق فضلاً عن اللا إرادة واللا تفويض هذه الأزمات التي ظلت تلاحق وفود الحكومة المفاوضة منذ أبشي وأنجمينا مروراً بأديس أبابا وآخيراً وليس آخراً أبوجا ، كما ولعل هذه الأزمة بحسب رأيي ليست وليدة اللحظة أو أنتجتها الظروف أو محضة صدفة كما يخيل لكثير من الجاهلين ببواطن الأمور - ولكنها رؤية المؤتمر الوطني ( الحكومة ) التي لم تتخذ حتى اللحظة قراراً إستراتيجياً لإحلال السلام والتوصل إلى إتفاق من قبل ذلك ، وهذا ما يتضح بجلاء من خلال الخروقات المتكررة للحكومة ومرحلة ( اللا سلم ) و ( اللا حرب ) التي تعاش الآن
وقبيل ذلك وهذا وذاك هناك أوضاع النازحين التي تتزايد يوماً إثر يوم رويداً رويداً ومن السيء إلى الأسوأ ، وغلاء المعيشة وقلة المواد الغذائية وإستشراء المجاعة أو شبهها في كثير من مدن دارفور التي تكتظ بالسكان - هذا بدوره أفضي بالطبع وألقى بظلال على ( أبوجا ) وكثيراً ما يؤول المواطنون على ( الثوار ) للخلاص من الظلم إلى رحاب العدل ، ومن ضيق القبلية إلى سعة الوطنية ، ومن مرض الجهوية إلى دواء القومية ، ومن إنغلاق الهيمنة والوصايا إلى إنفتاح المشاركة والإختيار ، ومن الكبت إلى الحرية ، ومن تقوقع الأحادية والشمولية والرجعية إلى عهد التعددية والديمقراطية والتقدم ، ومن جور التفرقة والعنصرية إلى قيم المساواة والمواطنة ، ومن الإستعلاء إلى السواء ، ومن التفاضل والتمييز إلى التكامل والأخاء ، ومن التشظي إلى الوحدة ، ومن التباعد والتباغض إلى عصر التآلف والتكاتف والتماسك والتعاضد والتسامح والتعايش
فمن هذه التجليات تتضح عظمة الدور الرسالي الملقاة على عاتق ( الثوار ) حيال الإضطلاع بدور فاعل بغية تلبية رغبات وطموحات المهمشين في أصقاع السودان قاطبة ودارفور خاصة ، فضلاً عن ذلك يتوجب على ( الثوار ) إستحداث آليات جديدة وحديثة وأكثر فاعلية للضغط على الحكومة ( المؤتمر الوطني ) وبحث إمكانية إنهاء حالة ( اللا حرب ) و ( اللا سلم ) ونقل الحرب في أجزاء ةاسعة حتى يردغ النظام للمطالب المشروعة التي تقدم من خلال أبوجا وحتى ينتزع حق جماهير شعبنا العادل في السلطة والثروة

وفينا شيء من حتى

ليست هناك تعليقات: